/ الفَائِدَةُ : (183) /
31/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / عِلْم الكلام لم يكن حربة وقلعة مُهِمَّة للدفاع عن المنهج الحقّ / إِنَّ الطَّرح الكلامي لمباحث ومقامات الوصايا والإِمامة الإِلهيَّة لأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في عِلْم الكلام أَدنى مستوى من الطَّرح الفلسفي والعرفاني ؛ فإِنَّه يتناول وصايتهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإِمامتهم الإِلهيَّة وينتهي إِلى أَنَّهم بشرٌ عاديون ، نعم ، مفترضو الطَّاعة ، ومُسدَّدون من اللّـه تبارك وتعالىٰ ، ومعهم ملائكة يُسدِّدُوْنَهُم ويُوَجِّهُونَهُم ، ويفتحون ( صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) أَوراقاً وصحفاً ورثوها عن سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، ويقرؤنها ويتعلَّمون منها . وقد غفل البحث الكلامي عن علومهم ( صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ومعارفهم الرُّوحيَّة والنًّوريَّة والملكوتيَّة الإِلٰهيَّة ، وانشغلوا بهذا المستوىٰ والطرح الهابط والبحث القشري ، ولم يلتفتوا لواقع البحث وخطورته. بل البحث الفلسفي والعرفاني لأَتباع مَدْرَسَة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كان أَرقىٰ من هذا الطَّرح الكلامي ، لكنَّه لم يرتقِ لواقع بحث الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة الوارد في بيانات الوحي القطعيَّة ، وتاهت أَبحاثهم عن بلورة وهندسة ما ورد في تلك البيانات الوحيانيَّة ؛ فإِنَّهم قالوا : إِنَّ الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة عصمة روحيَّة ونور ملكوتي ، لكنَّه لا زال دون واقع البحث الَّذي ترسمه بيانات الوحي. وهذه قضيَّة واضحة ، بل هذه الأَبحاث مُولِّدة لانطباعات عن مقام الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة كانطباعات جمهور العامَّة عنهما. وهذا ليس سبّاً وَحَطّاً من مقام أُولئك ، ولا ذماً لعِلْم الكلام ، وإِنَّما بيان واقع ؛ وَأَنَّ عِلْم الكلام لم يكن حربة وقلعة مُهمَّة من حراب وقلاع الدفاع عن المنهج الحقّ ؛ منهج أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، بل لَابُدَّ أَنْ يبقىٰ ـ عِلْم الكلام ـ حيّاً ومتنامياً ومُتطوِّراً ، ومع هذا لا يُحبس واقع المعارف بما توصَّل إِليه ، وما توصَّل إِليه عِلْم الفلسفة والعرفان ؛ لكون الجميع قراءة ونتاج بشريّ محدود بمحدودية قوىٰ وإِمكانيَّات البشر ، والوقوف على تلك القراءات وذلك النتاج تحجير للعقول وإِماتة للحقائق ، بخلاف نتاج الوحي ؛ فإِنَّه نظام لا يختل ولا يتبدَّل ولا يختلف ولا يتخلَّف أَبداً ، حاوي على قوالب وعلوم ومعلومات ومعارف ومعاني وحقائق غير متناهية أَبد الآباد ودهر الدُّهور ، وَمَنْ أَتاه عرف من أَين تؤكل الكتف ، ووجد أَنَّ كُلَّ الصيد في جوف الفرآء ، بل من تقدَّمه غرق في بحر الإِفراط ، وَمَنْ تأَخَّر عنه زهق في برِّ التفريط ، وينتشل من يتمسَّك به من الظُّلمات والغواشي ، ويُخرجه من الحُجُب الظلمانيَّة ، ويُقِرَّ به في عَالَم النُّور والبهاء والسرور والحبور ، وهذا ما تشير إليه بيانات الوحي ، منها : 1ـ بیان قوله (عَزَّ مِنْ قَائِل) : [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا](1). 2ـ بیان قوله (جَلَّ قوله) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ](2). 3ـ بیان قوله (عَزَّ قوله) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ] (3). ودلالتها واضحة. بل بيانات الوحي حاوية وشاملة لجملة العلوم والمعارف والحقائق غير المتناهية ، ولا يشذُّ عنها شيئاً أَبداً. فانظر : بیان قوله (جَلَّ شَأْنُهُ) : [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ](4). وهذه ضابطة وحيانيَّة عامَّة ، جامعة مانعة. وعليه : فينبغي للمخلوق أَنْ لا يتوهَّم بوقوف معارف بيانات الوحي وعلومها ومعانيها وحقائقها عند حدٍّ مُعَيَّنٍ ، وإِلَّا ارتطم بالتَّقصير الجارِّ إِلى الغلو ، على وفق القاعدة : « أَنَّ في كُلِّ تقصيرٍ غلوّاً ، وفي كُلِّ غلوٍّ تقصيراً» ، فتدبَّر ؛ فإِنَّهما وجهان لعملةٍ وحقيقةٍ واحدةٍ ، وخطورة أَحدهما عين خطورة الآخر ، والنَّجاة في سلوك المنزلة الوسطىٰ (الأَمر بين الأَمرين) ، جادَّة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، الَّتي لا تُخرج إِلى عوج ، ولا تُزيل عن منهج الحقِّ ، نعم هي دقيقة الوزن ، حادَّة اللسان ، صعبة التَّرَقِّي إِلَّا على الحاذق اللَّبيب. وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : بيان زيارة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الجامعة : « ... فالرَّاغب عنكم مارق ، واللازم لكم لاحق ، والمُقَصِّر في حقِّكم زاهق ، والحقُّ معكم وفيكم ومنكم وإِليكم ، وأَنتم أَهله ومعدنه ...»(5). ودلالته واضحة. لكن : يحتاج السَّائر على نهج أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلى سيرٍ مُبرهنٍ وموزونٍ بالضَّوابط والقواعد العلميَّة والمعرفيَّة الوحيانيَّة والعقليَّة. وإِلى هذا تُشير بيانات الوحي ، منها : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في وصيَّته لأَمير المؤمنين صلوات اللّٰـه عليه : «... يا عَلِيّ ، إِنَّ هذا الدِّين متين فأَوغل فيه برفق ...»(6). وعصارة القول : يحتاج مَنْ يبغي اِبصار الحقيقة إِلى الغوص والغور في بطون بحور علوم ومعارف الوحي غير المتناهية ؛ على وفق الموازين العلميَّة والمعرفيَّة الوحيانيَّة والعقليَّة ، وإِلَّا لارتطم بالخبط والخلط ، والوقوع في الزيغ والضَّلال والإِنحراف. والوقوف والجمود على استنتاجات البشر في عِلْم الكلام والفلسفة والعرفان وغيرها حَسْبُ للوصول إِلى الحقيقة من دون الاتِّكاء على بيانات الوحي حوالة على مُفلِّس ، وكمَن يتعلَّق بنسيج العنكبوت للعروج إِلى أَسباب السَّماوات ، بل تُسبِّب له الوقوع في الهلكة . والحقُّ يكمن في استخراج ثوابت بيانات الوحي والسير على وفقها. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)الكهف : 109 . (2) لقمان : 27. (3) النحل : 96. (4) النحل: 89. (5) بحار الأَنوار، 99: 129. (6) بحار الأَنوار، 68: 213 ـ 214/ح8. الكافي، 2: 87